3 / 33
لماذا يصعب التوقف عن مشاهدة المواقع الإباحية؟
يشعر العديد من مستخدمي المواقع الإباحية بقبضة مظلمة تطوّق أرواحهم. في الأيام الأولى من الإستخدام، تسكّنهم فكرة بسيطة ومخادعة في آن واحد": "سأبتعد عنها، ولكن، ليس اليوم." بمرور الوقت، نبدأ بالإيمان الخاطئ بأن إرادتنا غير كافية للتوقف، أو ربما نظن أن تعلّقنا بهذه المواقع أساسي لنيل السعادة. يُشبه إدمان المواقع الإباحية محاولة الهروب من بئر زلق: عندما نصل لأعلى البئر ونلمح أشعة الشمس ونظن أننا على وشك النجاة، نجد أنفسنا ننزلق مجددًا إلى الأسفل مع أول عاصفة من المزاج السيء، وبشكل تلقائي، نعود إلى فتح المتصفح، ومع كل ممارسة للعادة السرية، نشعر بالندم. إسأل أي مستخدم، "لو أُتيحت لك الفرصة للعودة بالزمن إلى ما قبل اكتشافك للمواقع الإباحية، مع كل ما تعرفه الآن، هل كنت لتبدأ في استخدامها؟" بلا شك، ستكون الإجابة: "قطعًا لا!" وعند التحدث مع المدافع الشرس عن المواقع الإباحية، الذي ينكر ضررها النفسي والعصبي، وتسأله: "هل تشجع أطفالك على استخدامها؟" مرة أخرى، ستكون الإجابة بالنفي القاطع.
تُمثّل المواقع الإباحية لغزاً معقدًا، فالتحدي ليس في إيجاد الدوافع للإقلاع، بل في فهم لماذا يصعب التخلي عنها أصلاً. الصعوبة تكمن في إدراك الأسباب التي تدفع أحدهم للتورط بها على الرغم من معرفته بالأضرار العصبية. من أسباب بدء الإستخدام هو أن ملايين الآخرين يستخدمونها أيضاً، ولكن كل واحد منهم يتمنى لو أنه لم يبدأ أبدًا، ويصفون تجربتهم بأنها عيش الحياة وكأن هناك شيء يعيقهم. نحن لا نعتقد تمامًا أنهم لا يستمتعون بها، حيث نربط استخدام خذه المواقع بالحرية أو بأنها "تثقيف جنسي"، ونبذل جهداً لنصبح مدمنين أنفسنا. ثم نقضي بقية حياتنا في تحذير الآخرين من عدم القيام بذلك ونحاول التخلص من الإباحية بأنفسنا، غالباً ما نعتقد أننا فريدين في هذا.
نقضي أوقاتًا طويلة ونحن نشعر باليأس والبؤس، حيث يقودنا "التثقيف" الذاتي نحو المحتوى الإباحي الخارج عن الطبيعة إلى تفضيل تلك الصور الباردة، مشتاقين إليها حتى في وجود فرص لتجارب حقيقية ودافئة. نجد أنفسنا محاصرين في دائرة مفرغة من الارتفاعات والانخفاضات في مستويات الدوبامين بسبب الإباحية والعادة السرية والنشوة، مما يحكم علينا بالعزلة، والغضب، والإجهاد، والتعب، والعجز الجنسي. استخدام الإباحية الخالية من أفضل نواحي الجنس والتواصل الحميمي، يؤدي بنا الى الشعور بالبؤس والذنب.
المفارقة العجيبة هي أنه كلما زادت معرفتنا بالجوانب المدمرة للإدمان على المواقع الإباحية عبر الإنترنت، كلما شعرنا باليأس وفقدان الأمل. يطرح السؤال نفسه بقوة: ما نوع الهواية التي نتمنى لو أننا لم نبدأ بها أصلاً عند ممارستها، ونشتاق إليها عند التوقف عنها؟ يزداد الشعور بالاحتقار الذاتي عند قراءة المستخدمين عن القصور الجبهي وفقدان الحساسية، وكذلك عند خيانتهم لثقة شركائهم بالاستمرار في استخدام المواقع الإباحية سراً، أو عندما لا يستطيعون إقناع أنفسهم بالذهاب إلى تمارين الرياضة بعد جلسة الإباحية في النهار. قد يقضي شخص ذكي وعقلاني كل أيامه في إزدراء نفسه. لكن الأسوأ من كل ذلك، ما الفائدة التي يجنيها المستخدمون من حمل هذا الظل القاتم في أعماق وعيهم؟ الجواب صادم ببساطته: لا شيء على الإطلاق!
قد تظن بأن كل شيء بخير، وتعترف أن بمجرد الإدمان يصبح الإقلاع عن الإباحية أمر صعب جداً. لكن، ما الذي يجعل هذا الأمر صعباً جداً؟ قد يُشير البعض إلى شدة أعراض الانسحاب، ولكن ستكتشف عما قريب أن هذه الأعراض، في واقع الأمر، أخف بكثير مما يُتصور. هذا يصبح واضحًا بشكل خاص عندما تعي أن العديد من المستخدمين يعيشون دون حتى أن يعلموا أنهم كانوا مدمنين.
يُقال إن المواقع الإباحية مجانية وينبغي استغلال هذه "الثروة"، لكن هذا زعمًا خاطئًا. فالإباحية، مثل أي مخدر، تخلق حالة من الإدمان. إسأل المستخدمين الذين يستمتعون فقط في "الإباحية الخفيفة" كمجلاّت ما فوق عمر الثَمانية عشر، عما إذا كانوا قد تجاوزوا الخط الأحمر نحو المحتوى الأكثر خطراً؛ إن كانوا صادقين، فسيعترفون بالأوقات التي قاموا فيها بتبرير تجاوز تلك الخطوط، بدلاً من عدم استخدام أي شيء على الإطلاق. ال
إشكالية ليس لها علاقة بالمتعة أيضاً، أنا شخصيًا أستمتع بأكل السمك مثلاً، لكنني لم أصبح مدمنًا عليه يومًا. نستمتع بالعديد من الأشياء في الحياة دون أن نشعر بالحرمان عند عدم توفرها.
وعندما يُزعم أن المواقع الإباحية "تثقيفية"، يجب أن نتساءل: كيف ساعدتك حقًا على النمو كشخص؟ أو عندما يُقال إنها توفر "الإشباع الجنسي"، لماذا إذًا تعزلك وتجعلك تشتهي أكثر؟ وعن "التحرر" الذي توفره، هل هو فرار من ضغوط الحياة الواقعية؟ لكن، هذا الفرار مؤقت، يعقبه الشعور بالعودة إلى نقطة البداية دون معالجة الضغوطات الأساسية. وبالنسبة لمن يقول "تساعدني على النوم"، كيف يتمكن الآخرون من النوم جيدًا بدونها؟ هناك العديد من الطرق المثبتة علميًا لتحسين جودة النوم.
يعتقد الكثيرون أن المواقع الإباحية تقدم حلاً للملل، ولكن في الحقيقة، الملل هو حالة ذهنية. تجعلك الإباحية معتاداً للبحث عن المحتوى الجديد، مما يدفعك للشعور بالملل المتزايد حتى تطارد المشاهد المختلفة إلى أن تصل إلى المقطع المعيّن المطلوب. في نهاية المطاف تجد نفسك تتوق للمحتوى الجديد، والمشاهد التي تثير العواطف القوية، والمقاطع المنحرفة التي تثير الصدمة.
يبرر البعض استخدامهم بسبب تأثير محيطهم، ولكن لو كان الأمر كذلك، هل يعقل أن نتبع كل عادة خطيرة يمارسها الآخرون؟ بالتأمل، يصل الكثيرون إلى استنتاج أن الإباحية مجرد عادة، هذا ليس تفسيراً منطقياً لكن بعد تفنيد جميع التبريرات هذا هو المبرر الأخير. لكن للأسف هذا أيضاً لا يصمد أمام المنطق، فتغيير العادات جزء من حياتنا اليومية، وبعض هذه العادات يكون ممتعًا للغاية. لقد تم غسل أدمغتنا لأن نظن أن تسلسل الإباحية والعادة السرية والنشوة هي مجرد عادة وأن العادة بطبيعتها صعبة الكسر.
فهل تغيير العادات يمثل تحديًا حقيقيًا؟ في الولايات المتحدة يعتاد السائقون القيادة على الجانب الأيمن من الطريق، ولكن عند السفر إلى بلدان تقود فيها السيارات على الجانب الآخر، يتكيفون مع هذا التغيير بسلاسة. وعند بدء وظيفة جديدة نتأقلم مع الروتين الجديد. قد يستغرق التكيف بعض الوقت، لكنه لا يقارن بصعوبة التخلص من إدمان طويل الأمد على المواقع الإباحية. نصنع العادات ونتخلص منها يوميًا، فلماذا يعد التخلي عن عادة تُغرقنا في الحرمان عند عدم القيام بها تحديًا، وتُثقلنا بالذنب عند الاستمرار فيها؟ عادة نتمنى بشدة التخلص منها ولا تتطلب منا سوى الإقلاع عن ممارستها.
الجواب هو أن الإباحية ليست عادة، بل إدمان! ولهذا السبب يبدو من الصعب جدًا "التخلص" منها. معظم المستخدمين لا يفهمون الإدمان ويعتقدون أنهم يحصلون على متعة حقيقية أو دعامة من الإباحية. يعتقدون أنهم يقومون بتضحية حقيقية إذا توقفوا عن استخدامها.
الحقيقة الجميلة هي أنه بمجرد أن تفهم طبيعة الإدمان على الإباحية والأسباب التي تجعلك تستخدمها، ستتوقف عن فعل ذلك، بكل بساطة. في غضون ثلاثة أسابيع، سيكون السؤال الوحيد هو لماذا وجدت الضرورة لاستخدام الإباحية لفترة طويلة ولماذا لا تستطيع إقناع المستخدمين الآخرين بمدى روعة عدم أن يكونوا مدمنين على الإباحية!
3.1الفخ الشرير
تُشكّل المواقع الإباحية فخًا محكمًا خفيّاً وخبيث، نتاج تآزر مُريب بين الإنسان والطبيعة. على الرغم من تحذيرات قد تُلقى لنا حول أضرارها، نجد صعوبة في التصديق بأن هذه المواقع لا تقدم لنا المتعة الحقيقية. فما الذي يجعلنا نبدأ؟ يبدأ الإغراء عادةً بالوعود بالمتعة المجانية والمتنوعة، لكن ما إن نخطو خطوتنا الأولى حتى نُدرك أننا وقعنا في الفخ. ولو أُخبرنا بجدية عن الأضرار منذ البداية، لربما لم نكن لنجرؤ على التجريب. لكن، تلك التحذيرات لا تصل إلى مسامعنا.
ربما يكون الطابع الصادم لبعض المقاطع سببًا في تهدئتنا، مُريحًا عقولنا بالوهم بأن الإدمان على الأشياء المقززة مستحيل، وأن بإمكاننا الابتعاد متى شئنا. أو ربما تظهر البراءة السطحية للمواد الأخف وزنًا على أنها بريئة بما يكفي لعدم إثارة القلق، مُخدِّرة تفكيرنا كما لو أننا نتبع إيقاع فنان يستطيع بمهارته أن يُغيب عقولنا. وبصفتنا أفرادًا عقلانيين، نُدرك فيما بعد سبب تورط نصف السكان البالغين في إدمان ينتقص من قدراتنا فيما نشاهد بدلاً من تعزيزها. يُغذي الفضول خطواتنا نحو الإدمان، لكننا نتردد في استكشاف المزيد، خوفًا من الوقوع في متاهات مُظلمة ومُهلكة. وإذا ما ضغطنا على إحدى تلك الصور المصغرة بالخطأ، فإن الرغبة في الإغلاق تصبح مُلحّة، وبنفس الوقت نبقى فضوليين بشكل كبير ونحتاج للمزيد.
مجرد أن تبدأ هذه العملية، نكون قد علقنا. ثم نقضي ما تبقى من حياتنا نسعى جاهدين لفهم الأسباب التي دفعتنا إلى هذا الطريق. نصبح مرشدين لأبنائنا، نحثهم بشدة على تجنب هذا المسار، وفي لحظات ضعفنا، نجد أنفسنا نحاول بيأس الهروب من قبضة هذا الفخ. لكن الفخ مصمم ببراعة لنحاول الانسحاب فقط عندما تواجهنا "حادثة" مفاجئة، سواء كانت تلك الحادثة متعلقة بأدائنا الجنسي، علاقاتنا، وظائفنا، قدراتنا، أو حتى مكانتنا الاجتماعية. وعندما نبدأ أخيراً بالإقلاع، يزداد الضغط النفسي علينا بفعل آلام الانسحاب، مما يجعل البحث عن سبل التخلص من هذا العبء أشد صعوبة، بعد أن فقدنا الوسيلة التي اعتمدنا عليها سابقًا للتعامل مع هذا الضغط.
هنا يتبين لنا أن قرارنا بالتوقف يبدو ضعيفاً إذ تكالبت علينا "الظروف". بعد عدة أيام شاقة من الصراع النفسي والعذاب، نجد أنفسنا نبرر التراجع بالاعتقاد أن الظروف الراهنة لم تكن مثالية للإقلاع، ونخطط للانتظار حتى تهدأ العواصف في حياتنا. لكن بمجرد تلاشي الضغط المباشر، نفقد دافع التوقف الذي كان يحفزنا في البداية. الحقيقة المؤلمة هي أن اللحظة المثالية للتخلي عن هذا السلوك تبدو وكأنها لن تأتي أبدًا، فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن حياتنا ستصبح دومًا مليئة بالضغوط. نغادر كنف الأمان الذي يوفره لنا والدينا، ونواجه تحديات العمل، إدارة المنزل، التزامات الرهن العقاري، ومسؤوليات شراء مكان جديد للعيش، وتربية الأطفال التي تضفي مزيدًا من الضغط على حياتنا. لكن، هذه الفكرة ما هي إلا وهم. في الواقع، أكثر فترات حياتنا ضغطًا هي مرحلتا الطفولة المبكرة والمراهقة. غالبًا ما نخلط بين تحمّل المسؤولية والشعور بالضغط. حياة المستخدمين، والتي لا تختلف كثيراً عن حياة المدمنين على المخدرات، تتسم بزيادة الضغط ليس لأن المواقع الإباحية تقدم لهم راحة أو تخفيفًا من هذا الضغط، كما قد يعتقد البعض، بل العكس هو الصحيح. استمرار استخدامها، وخاصةً في أوقات متأخرة من الليل مع شعور بالذنب، يُضيف قشّاً على ظهر البعير. الأشخاص الذين أقلعوا عن هذا الإدمان، كما يفعل الكثيرون مرة أو أكثر في حياتهم، يمكن أن يعيشوا حياة مليئة بالسعادة، ولكن في لحظة ضعف، قد يجدون أنفسهم مجددًا في قبضة الإدمان.عندما نتجول في متاهة الإباحية، تصبح عقولنا ضبابية ونقضي بقية حياتنا في محاولة الهروب. ينجح الكثيرون في الفعل، لكنهم يقعون في الفخ الخبيث في وقت لاحق.
يشبه التغلب على إدمان المواقع الإباحية حلّ لغز معقد وصعب في البداية. ولكن، بمجرد إيجاد الحل، يصبح الأمر بسيطًا وواضحًا، مما يجعلك تتساءل لماذا لم تفكر بهذا المنظور من قبل! توفّر " الطريقة السهلة " الحل لهذا اللغز، وتقودك خارج المتاهة دون العودة إليها مجددًا. يكمن السر في اتباع التعليمات بدقة والتزام. لكن، إذا سلكت مساراً خاطئًا بتخطي الفصول أو تصفح الكتاب بشكل سطحي دون التفكير العميق في المرة الأولى، فقد تفقد الفائدة من الإرشادات المتبقية.
يمكن لأي شخص التوقف بسهولة، لكن علينا أولاً أن نصل للحقائق. هذه الحقائق ليست مصممة لتخويفك، فهناك ما يكفي من المعلومات المخيفة حول الإباحية. إذا كانت هذه المعلومات ستوقفك، لكنت قد توقفت بالفعل. ولكن لماذا إذاً نجد الأمر صعباً للتوقف؟ يمكن تحديد هذه الأسباب في محورين رئيسيين:
طبيعة الإنسان والمحتوى الإباحي
غسل الدماغ المجتمعي ان المستخدمون للمواقع الإباحية أشخاص عقلانيين وأذكياء. يعلمون أنهم يخاطرون بأنفسهم بما يشاهدون، لذلك تجدهم يخوضون في محاولة تبرير "عادتهم" ولكن في أعماق ضمائرهم، يدركون تمامًا أن استخدامهم للمواقع الإباحية قبل الوقوع في فخ الإدمان كان قرًارا مغفلاً. يتذكرون أن أولى لحظات التعرض للمحتوى الإباحي كانت مزيجًا من الرفض والفضول المتجدد، الذي سرعان ما يتطور إلى عملية معقدة من البحث والتصفية والتمييز بين المواقع، لينتهي بهم المطاف إلى الإدمان. يتضاعف الشعور بالإحباط عندما ندرك أن هناك فئات من الناس غير المدمنين - كثير من النساء، والرجال في مراحل عمرية متقدمة، والأفراد القاطنين في دول حيث الوصول إلى المواقع ذات السرعة العالية غير متاح - يبدو أنهم لا يشعرون بأي نقص وربما يجدون الأمر محلاً للسخرية. هذا التباين يبرز الفخ الخبيث الذي وقعنا فيه. من خلال تفكيك وتحليل هذه العوامل في الفصول القادمة، ستفهم أنت أيضًا هذا الفخ الخبيث!